الرئيسية / قراءات كتب / رحلة في متاهة المرايا

رحلة في متاهة المرايا

كل ما أراده كان العزلة، الانعتاق من كل قوانين المجتمع وأعرافه. بالنسبة له عزلته لم تكن سجناً بارداً وموحشاً وإنما  فضاءً لا حدود له يحلق فيه بحرية كيفما شاء، ولا عجب أنه يُقدر حريته وعزلته إلى حد التقديس، فهو ذئبٌ بملامح رجل. رغم ما توحيه العبارة الأخيرة بأن بطلنا شخص متوحش يعيش وفق ما تمليه عليه غرائزه، إلا أنه لم يكن كذلك بل على العكس تماماً، كان شخصاً هادئاً حكيماً، صاحب فكر وثقافة عالية، تحيط به هالة من الغموض تمنحه سحراً خاصاً وجاذبية لا تقاوم. عرفه الكثيرون، وكان محط إعجابهم ومحبتهم،  لكن قلة قليلة هم أولئك الذين عرفوه حق المعرفة، والذين تمكنوا من رؤية الحزن الذي كان يشوب هدوءه، أو ما كان يعتمل في نفسه من صراعات تتقاذفه بين أمواجها..

لنبدأ بالذئب الذي اختاره الكاتب ليكون الصورة التي تنعكس على مرآة بطله، من المعروف أن الذئاب تعيش كقطعان منظمة للغاية، كل فرد فيها له دوره، يعيش ويأكل ويصطاد ويتحرك وفق قوانين صارمة وضعتها المجموعة التي يعيش ضمنها.. إنما ثمة ذئاب تنفصل عن قطيعها، سواء باختيارها أو مكرهة، نتيجة لضعفها أو تقدمها في العمر، فتعيش وتأكل وتصطاد وحدها. ومن هنا جاء مصطلح “الذئب الوحيد” والذي يعبر عن أشخاص انطوائيين اختاروا أيضاً أن يعتزلوا مجتمعاتهم.. وهذه كانت فلسفة حياة هاري هللر، بطل روايتنا..  

منذ اليوم الذي قرر فيه هاري هللر أن يطلق على نفسه اسم “ذئب السهوب” ويعيش بما يمليه عليه هذا الاسم نال ما أراده، أصبحت الوحدة سمة أيامه، بات يشعر بها حتى عندما يكون محاطاً بالآخرين، كان يذكر نفسه دوماً أنه ليس مثلهم، ولن يكون جزءاً من حياتهم، لقد حكم على نفسه أن يكون على هامش أيامهم يراقبهم من بعيد، يسخر من نمط حياتهم، من أفكارهم ومعتقاداتهم، ومن كونهم أشخاصاً عاديين.. بينما يقف هو، الذئب الوحيد، الفخور بعزلته، بحريته وحياته التي باتت ملكه وحده، يعيشها كما يشاء، ينهيها متى يشاء، يترفع عن متعهم ومباهجهم اليومية البسيطة، يعتبرها مبتذلة وسخيفة. لكن هل كان حقاً شخصاً غير عادي؟؟؟ إذ كيف له  أن يدعي أنه يعيش خارج قوانين البشر إن كان لا يزال يتعامل بقوانينهم، يحترمها ويطبقها بانضباط، يعيش وفقها وإن ظل يدعي أنه قد نأى بنفسه عنها. هل كانت وحدته وانعزاله جنته التي يتنعم بثمارها، أم جحيمه الذي يضيق الخناق حول عنقه شيئا فشيئا يريد أن يكتم أنفاسه ويدفعه لإنهاء حياته؟… والأهم من كل ذلك، من هو هاري هللر، أهو الذئب أم الرجل؟ كل تلك لم تكن أسئلة تؤرقه بل تناقضات تتصارع في داخله وتستنزف قواه وتجعل من أيامه تمضي بلا أثر، أيام رجل يعيش على الحافة، يراقب البشر بعين وعينه الأخرى مثبتة على الهاوية، خلاصه الأخير من حياة لقنته أن يكره نفسه، أن لا يستطيع الرضا أن ينفذ إلى أعماقه لينعم ببعض السكينة، حياة لم يعد يبصر فيها سوى العتمة والكره والدماء، لم يعد يجد فيها ما يبهجه أو يخفف عنه وطأة معاركه التي لا تنتهي. لكن كل هذا تغير تماما عندما قابل هاري هرمنيه، الفتاة التي يمكن وصفها بأنها نقيضته وشبيهته في الوقت نفسه، قابلها وهو في أسوأ حالات ضعفه، في تلك اللحظة لم يكن يعلم أن حياته ستتغير بسببها إلى الأبد، وأنها ستحيل هدوء أيامه صخباً وتشعل حماسته وحبه للحياة وكأنه وُلد من جديد لتتركه في حيرة وتخبط بين ما كان عليه وما أصبحه بين يديها لتكون تذكرة دخوله إلى المسرح السحري الذي كان يبحث عنه والذي لا يدخله الجميع..

فهو “مسرح للمجانين فقط”..

 كاتب الرواية الألماني “هرمان هسه” من الكُتاب الذين عرفوا بتركيزهم على النفس الإنسانية و الغوص في محاولة لسبر أسرارها، وتعد رواية “ذئب السهوب” بمثابة سيرة ذاتية في فترة حرجة عاشها الكاتب عندما كانت بوادر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق، في وقت سادت فيه مشاعر القلق والخوف من مصير غامض ومرعب خاصة لمن شهد أهوال الحرب العالمية الأولى. لكنها لم تكن كأي سيرة ذاتية، كانت أشبه بالسير في متاهة المرايا، ستشعرك بالضياع بين آلاف الأشكال المبهمة والغريبة، وأحيانا المشوهة التي تنعكس على مراياها، لن تكون قراءتها سهلة لكن بمجرد أن تعتاد نمطها الغريب ستبدأ بفهم السبب الذي دفع الكاتب لأن يصوغ أفكاره بهذه الطريقة، فهو يحاول أن يسلط الضوء على أهم مواجهة يجب على الإنسان أن يقوم بها، مواجهة مرآة روحه، ليبصر بكل شفافية تناقضاته لا لينتصر عليها بل ليتغلب على خوفه منها وليتقبلها كجزء منه كي يتمكن في النهاية من تقبل مجتمعه والعيش ضمنه وليس على هامشه ويحقق في نهاية  المطاف السلام الحقيقي سواء في أعماقه أو مع محيطه. من يدري، قد تكون بدأت سيرَك كشاهد على رحلة الكاتب الروحية الغريبة، لكنك قد تجد صورتك منعكسة على إحدى تلك المرايا، ويصبح بحث الكاتب عن ذاته الحقيقية شيئا فشيئا هدفك أنت أيضا..
بقلم دانية العطار 

عن Dania AL-Attar

إن أردت أن أختصر حياتي بكلمة فستكون كلمتي قوس قزح ليس لأنني أحب حياتي مفعمة بالألوان وحسب بل لأنني أحب أن أكون قوس قزح في سماء من حولي. صحيح أنني أعشق المطر لكن فكرة أن السماء تبتسم بألوان زاهية جميلة بعد كل تلك الدموع التي ذرفتها تمنحني الكثير من السعادة والكثير من الأمل!!!

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب مغامرة العقل الأولى لفراس السواح

قراءة في كتاب مغامرة العقل الأولى (دراسة في الأسطورة – سورية وبلاد الرافدين)  للكاتب: فراس …